محمد بن جرير الطبري
46
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها الحكمين إن ضربها فإن رجعت فإنه ليس له عليها سبيل ، فإن أبت أن ترجع وشاقته ، فليبعث حكما من أهله وتبعث حكما من أهلها . ثم اختلف أهل التأويل فيما يبعث له الحكمان ، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما ، وكيف وجه بعثهما بينهما ؟ فقال بعضهم : يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما ، وليس لهما أن يعملا شيئا في أمرهما إلا ما وكلاهما به ، أو وكله كل واحد منهما بما إليه ، فيعملان بما وكلهما به من وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه ، أو توكيل من وكل منهما في ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن محمد ، عن عبيدة ، قال : جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى علي رضي الله عنه ، مع كل واحد منهما فئام من الناس ، فقال علي رضي الله عنه : ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، ثم قال للحكمين الحكمين : تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا ، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا . قالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي . وقال الرجل : أما الفرقة فلا . فقال علي رضي الله عنه : كذبت ، والله لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به . حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا هشام بن حسان ، وعبد الله بن عون ، عن محمد : أن عليا رضي الله عنه أتاه رجل وامرأته ، ومع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأمرهما علي رضي الله عنه أن يبعثا حكما من أهله وحكما من أهلها لينظرا ، فلما دنا منه الحكمان ، قال لهما علي رضي الله عنه : أتدريان ما لكما ؟ لكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما ، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما . قال هشام في حديثه : فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله لي وعلي فقال الرجل : أما الفرقة فلا . فقال علي : كذبت والله حتى ترضى مثل ما رضيت به . وقال ابن عون في حديثه : كذبت ، والله لا تبرح حتى ترضى بمثل ما رضيت به . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا منصور وهشام ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة ، قال : شهدت عليا رضي الله عنه ، فذكر مثله . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : إذا هجرها في المضجع وضربها ، فأبت أن ترجع وشاقته ، فليبعث حكما من أهله وتبعث حكما من أهلها ؛ تقول المرأة لحكمها : قد وليتك أمرى ، فإن أمرتني أن أرجع رحمت ، وإن فرقت تفرقنا . وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقة أو كرهت شيئا من الأشياء ، وتأمره أن يرفع ذلك عنها وترجع ، أو تخبره أنها لا تريد الطلاق . ويبعث الرجل حكما من أهله يوليه أمره ، ويخبره يقول له حاجته إن كان يريدها أو لا يريد أن يطلقها ، أعطاها ما سألت وزادها في النفقة ، وإلا قال له : خذ لي منها ما لها علي وطلقها فيوليه أمره ، فإن شاء طلق ، وإن شاء أمسك . ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه ، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه ، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز ، إن طلقا وإن أمسكا ، فهو قول الله : فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما فإن بعثت المرأة حكما وأبي الرجل أن يبعث ، فإنه لا يقربها حتى يبعث حكما . وقال آخرون : إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان ، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قبل صاحبه لا التفريق بينهما . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، وهو قول قتادة ، أنهما قالا : إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه ؛ وأما الفرقة فليست في أيديهما ، ولم يملكا ذلك ، يعني : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها الآية ، إنما يبعث الحكمان ليصلحا ، فإن أعياهما أن يصلحا شهدا على الظالم بظلمه وليس